الشوكاني
9
فتح القدير
وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة . وقرأ الحسن وعكرمة بضمها وهي لغة عكل ( فمن يهديه من بعد الله ) أي من بعد إضلال الله له ( ( أفلا تذكرون ) تذكر اعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال . ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها ( نموت ونحيا ) أي يصيبنا الموت والحياة فيها ، وليس وراء ذلك حياة ، وقيل نموت نحن ويحيا فيها أولادنا ، وقيل نكون نطفا ميتة ثم نصير أحياء ، وقيل في الآية تقديم وتأخير : أي نحيا ونموت وكذا قرأ ابن مسعود ، وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب الآخرة ( وما يهلكنا إلا الدهر ) أي إلا مرور الأيام والليالي قال مجاهد : يعني السنين والأيام . وقال قتادة : إلا العمر ، والمعنى واحد . وقال قطرب : المعنى وما يهلكنا إلا الموت . وقال عكرمة : وما يهلكنا إلا الله ( وما لهم بذلك من علم ) أي ما قالوا هذه المقالة إلا شاكين غير عالمين بالحقيقة . ثم بين كون ذلك صادرا منهم لا عن علم فقال ( إن هم إلا يظنون ) أي ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن فما يتكلمون إلا به ، ولا يستندون إلا إليه ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها بينات واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث ( ما كان حجهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) أنا نبعث بعد الموت : أي ما كان لهم حجة ولا متمسك إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شئ ، وإنما سماه حجة تهكما بهم . قرأ الجمهور بنصب حجتهم على أنه خبر كان ، واسمها ( إلا أن قالوا ) وقرأ زيد بن علي وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمرو برفع حجتهم على أنها اسم كان ، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم فقال ( قل الله يحييكم ) أي في الدنيا ( ثم يميتكم ) عند انقضاء آجالكم ( ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ) بالبعث والنشور ( لا ريب فيه ) أي في جمعكم ، لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) بذلك ، فلهذا حصل معهم الشك في البعث ، وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين ، واندفع عنهم الريب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ) يقول : على هدى من أمر دينه . وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ( سواء محياهم ومماتهم ) قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن ، والكافر في الدنيا والآخرة كافر . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان ( وأضله الله على علم ) يقول : أضله في سابق علمه . وأخرج النسائي وابن جرير وبن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عنه قال : كان الرجل من العرب يعبد الحجر ، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر ، فأنزل الله ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وبن مردويه عن أبي هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار ، فقال الله في كتابه ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) قال الله : يؤذيني ابن آدم بسبب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " .